logo
اقتصاد

من البلاستيك إلى الغذاء.. إغلاق هرمز يُشعل موجة تضخم عالمية

من البلاستيك إلى الغذاء.. إغلاق هرمز يُشعل موجة تضخم عالمية
سفن حاويات في طريقها إلى عبور مضيق هرمزالمصدر: شاترستوك
تاريخ النشر:

يتجه إغلاق «مضيق هرمز» من كونه صدمة طاقة تقليدية إلى أزمة أوسع تضرب قلب سلاسل الإمداد العالمية، مع امتداد التداعيات إلى صناعات البلاستيك والأسمدة، بما يعيد رسم موازين النفوذ الاقتصادي بين القوى الكبرى، ويرفع كلفة المعيشة عالمياً، لا سيما في الولايات المتحدة.

فبحسب تحليلات حديثة لأسواق السلع وسلاسل التوريد، نقلها «المجلس الأطلسي» (Atlantic Council)، فإن استمرار تعطّل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم لا يهدد فقط تدفقات النفط والغاز، بل ينذر بسلسلة من الاضطرابات المتشابكة قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو مرحلة ركود تضخمي، في حال استمر الإغلاق لأشهر.

أخبار ذات صلة

ناقلة نفط تعبر «مضيق هرمز» إلى الأسواق العالمية.

شركات التأمين الخليجية بعيدة عن الخسائر المباشرة رغم إغلاق «مضيق هرمز»

البلاستيك والبتروكيماويات.. أول ضحايا إغلاق هرمز

يمتد تأثير الأزمة سريعاً إلى قطاع البتروكيماويات، الذي يشكل العمود الفقري للصناعات الحديثة، من التغليف إلى الأجهزة الطبية والملابس. ويُعد الشرق الأوسط مورداً رئيسياً لمواد أولية أساسية، إذ يوفر نحو 30% من صادرات غاز البترول المسال المنقول بحراً، المستخدم كلقيم في الصناعات البتروكيماوية.

وتشير التقديرات إلى أن الإغلاق المطول قد يؤدي إلى فقدان نحو 24% من الإمدادات البحرية العالمية من النافثا، وهي مادة أساسية أخرى لإنتاج البلاستيك. ومع انقطاع هذه التدفقات، تواجه الأسواق نقصاً حاداً في المواد الأولية، ما يدفع الأسعار للارتفاع ويهدد استمرارية الإنتاج.

ولا يقتصر الضغط على جانب الإمدادات، بل يمتد إلى الطاقة اللازمة للتصنيع. فالدول الصناعية في شرق آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي المسال لتشغيل مصانعها، في وقت تشهد فيه السوق شحاً حاداً نتيجة الأزمة.

ومع تزايد الضغوط على الكهرباء، قد تضطر هذه الدول إلى خفض إنتاج البتروكيماويات لمصلحة قطاعات ذات أولوية أعلى، مثل أشباه الموصلات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي، ما يفاقم اختلال التوازن في الأسواق.

أحد مطاعم نيودلهي، الهند، 15 سبتمبر 2024.
أحد مطاعم نيودلهي، الهند، 15 سبتمبر 2024. المصدر: شاترستوك

الصين تستفيد وآسيا تعاني.. من يربح في هذه الأزمة؟

في المقابل، تبرز الصين كأحد المستفيدين المحتملين من هذا التحول، رغم تعرضها أيضاً لتداعيات الأزمة على المدى القصير. فبفضل توفر مصادر طاقة داخلية، واعتمادها على الفحم في بعض عمليات الإنتاج، تملك الشركات الصينية قدرة أكبر على الحفاظ على مستويات التشغيل مقارنة بمنافسيها الآسيويين.

كما تستفيد بكين من شراكاتها مع موسكو، التي تُعد مورداً رئيسياً لمواد أولية مثل النافثا، في وقت تسعى فيه شركات آسيوية للحصول على هذه الإمدادات بشروط أكثر صعوبة.

وتشير بيانات الصناعة إلى أن منتجي البتروكيماويات في كوريا الجنوبية خفّضوا معدلات التشغيل بنحو 50%، فيما تعتمد اليابان على الشرق الأوسط لتأمين نحو 42% من احتياجاتها من النافثا، ما يضع صناعاتها تحت ضغط مباشر.

وفي هذا السياق، قد تتجه سلاسل الإمداد تدريجياً نحو التمركز في الصين، التي تحولت بالفعل من مستورد إلى مصدر صافٍ لبعض المنتجات مثل مادة «بولي فينيل كلورايد» (PVC)، وتستحوذ على نحو 78% من الزيادات العالمية في طاقتها الإنتاجية.

أخبار ذات صلة

عمّال مناجم الكبريت عند فوهة بركان كواه إيجن في بانيووانغي، جاوة الشرقية، إندونيسيا، 27 مايو 2015.

حرب إيران تضغط على أسواق الكبريت العالمية.. والبدائل محدودة

أسعار الأسمدة ترتفع 32% في أسبوع

لا تقتصر التداعيات على الصناعة، بل تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي، إذ أدى إغلاق المضيق إلى تعطيل نحو 30% من تجارة الأسمدة النيتروجينية القائمة على الأمونيا، وهي عنصر حاسم قبل مواسم الزراعة.

وقد انعكس هذا النقص سريعاً على الأسعار، حيث ارتفعت تكلفة اليوريا في أحد المراكز الرئيسية بالولايات المتحدة بنسبة 32% خلال أسبوع واحد فقط، لتقفز من 516 إلى 683 دولاراً للطن المتري.

وبالنسبة للاقتصاد الأميركي، فإن ارتفاع كلفة المدخلات الزراعية سيُترجم مباشرة إلى أسعار أعلى للمواد الغذائية، مع انتقال الأعباء عبر سلسلة التوريد من المزارعين إلى المستهلكين.

كما قد يدفع ارتفاع التكاليف المزارعين إلى تقليص زراعة المحاصيل كثيفة الاستخدام للأسمدة، مثل الذرة، ما ينعكس بدوره على أسعار الأعلاف، وبالتالي اللحوم ومنتجات الألبان.

روسيا وبيلاروسيا.. المستفيدون الكبار من اضطراب الأسواق

على الصعيد الجيوسياسي، تبرز روسيا وبيلاروسيا كأكبر المستفيدين من اضطراب سوق الأسمدة. فروسيا تُعد أكبر مصدر عالمي للأسمدة، فيما تمثل بيلاروسيا لاعباً رئيسياً في سوق البوتاس.

ومع تقلص الإمدادات من الشرق الأوسط، قد تجد الدول المستوردة نفسها مضطرة للاعتماد بشكل أكبر على هذين الموردين، ما يمنحهما نفوذاً إضافياً في أسواق الغذاء العالمية.

في الوقت ذاته، تتحرك الصين لحماية سوقها المحلية عبر تقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً، وهو ما يزيد الضغط على الأسواق العالمية، ويدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.

أخبار ذات صلة

سفينة حربية تعبر مضيق هرمز.

العالم يراقب «هرمز».. هل يتحكم المضيق بمصير حرب إيران؟

موجات تضخم متتالية.. من الوقود إلى طاولة المطبخ

تشير التقديرات إلى أن الأزمة ستتطور على شكل موجات تضخمية متتابعة، تبدأ بارتفاع أسعار الوقود المكرر، خاصة وقود الطائرات، الذي يعاني أصلاً من انخفاض المخزونات، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السفر.

ثم تمتد الموجة إلى الديزل والبنزين، قبل أن تصل إلى القطاع الزراعي والغذائي، حيث ترتفع كلفة الإنتاج وتنخفض المحاصيل، ما يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

أما الموجة الأكثر اتساعاً، فتتمثل في تأثير البتروكيماويات على مختلف القطاعات الصناعية، إذ تدخل هذه المواد في تصنيع معظم السلع الاستهلاكية، من التغليف إلى المعدات الطبية، ما يعني تضخماً واسع النطاق يصعب احتواؤه.

هل نحن أمام تضخم ركودي عالمي؟

في حال استمرار الإغلاق لفترة طويلة، قد تتراكم هذه الضغوط لتؤدي إلى موجة تضخم مستدامة، تترافق مع تباطؤ اقتصادي، في سيناريو يعيد إلى الأذهان أزمات كبرى في التاريخ الحديث.

كما أن فقدان السيطرة على توقعات التضخم، خصوصاً في الاقتصادات الكبرى، قد يدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسات النقدية، ما يرفع كلفة الاقتراض ويضغط على النمو.

في المحصلة، لا يمثل إغلاق «مضيق هرمز» مجرد أزمة إمدادات مؤقتة، بل نقطة تحول محتملة في بنية الاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع الطاقة مع الصناعة والغذاء، وتُعاد صياغة مراكز النفوذ في سلاسل التوريد. ومع كل يوم يستمر فيه التعطيل، تتسع كلفة الأزمة، وتتزايد في المقابل قدرة بكين وموسكو على توظيفها لتعزيز موقعهما في الاقتصاد العالمي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف