الرئيس الأميركي يعلن عن قائد الفيدرالي الجديد في يناير
توقعات خفض الفائدة تنحسر إلى مرة واحدة هذا العام

تلقى الدولار الأميركي هزيمة من العيار الثقيل خلال العام الماضي المنتهي أمس الأربعاء، بعد 3 تخفيضات لأسعار الفائدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي»، وسط توقعات بمزيد من التخفيضات في العام 2026.
عمّقت من محنة الدولار مقابل العملات المنافسة الأوضاع المالية والسياسات التجارية المتقلبة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما دفع بالعملة الخضراء إلى أسوأ أداء في ثماني سنوات.
وتعكس هذه التقديرات حالة ارتباك غير مسبوقة في تسعير مستقبل الدولار، إذ لم تعد تحركاته مرتبطة فقط بمسار التضخم أو بيانات سوق العمل، بل باتت رهينة التوازن الدقيق بين السياسة النقدية واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي من جهة، ما يرفع منسوب الحساسية في أسواق الصرف العالمية.
كتب الخبير الاقتصادي لدى «غولدمان ساكس» ديفيد ميريكل: «نتوقع أن تُجري اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة خفضين آخرين بمقدار 25 نقطة أساس، ليصل معدل الفائدة إلى ما بين 3% و3.25%».
وأضاف الخبير لدى «غولدمان ساكس» في مذكرة للعملاء: «لكننا نرى أن المخاطر تميل إلى الانخفاض»، عازياً ذلك إلى تباطؤ التضخم.
وتابع ميريكل: «مرّ الدولار بعامٍ مضطربٍ، إذ تذبذب بقوة بفعل الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، والتي أشعلت أزمة ثقة في الأصول الأميركية في وقت سابق من العام، فيما أثار تنامي نفوذ ترامب على الاحتياطي الفيدرالي أيضاً مخاوفَ بشأن استقلالية البنك المركزي».
ارتفع الدولار في نهاية تعاملات العام أمس، مُوقفاً سلسلة سابقة من الخسائر، بعد قراءة أقوى من المتوقع لسوق العمل.
أفادت وزارة العمل، يوم الأربعاء، بأن طلبات إعانة البطالة الأولية الأسبوعية انخفضت بمقدار 16 ألفاً لتصل إلى 199 ألفاً بعد التعديل الموسمي، وهو أدنى مستوى لها في شهر، وأقل من تقديرات الاقتصاديين البالغة 220 ألفاً.
كتب كبير الاقتصاديين في شركة «أنيكس ويلث» في مينوموني فولز، برايان جاكوبسن: «بيانات طلبات إعانة البطالة متقلبة وغير دقيقة، ولكن على الرغم من هذا التقلب، وخاصة خلال موسم الأعياد، فإنها تُعد أفضل البيانات المتاحة لدينا لتقييم صحة سوق العمل».
مع الانقسام الحاد داخل لجنة السياسة النقدية واحتفاظ الفيدرالي بمسار خفض واحد فقط لعام 2026، يبقى الدولار تحت مجهر الأسواق، حيث قد تستمر التقلبات الحادة في سوق العملات.
قال المحلل في منطقة آسيا والمحيط الهادي في «تي.دي للأوراق المالية» براشانت نيوناها: «افتراض ميل الدولار للانخفاض في 2026 لا يزال يحظى بتأييد كبير، مع ترجيح ضعف الدولار مقابل اليورو».
وأضاف في مذكرة للعملاء: «تلقى الدولار دفعة بعد أن أظهر محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي لشهر ديسمبر انقساماً شديداً بين صانعي السياسة النقدية عند خفض أسعار الفائدة في وقت سابق من الشهر».
أظهر مخطط النقاط (Dot Plot) خفضاً وحيداً في 2026، وفي تحديث لخططهم المستقبلية أشار مسؤولو الفيدرالي إلى مسار أكثر حذراً للعام الحالي، وتتوقع الأغلبية خفضاً واحداً فقط بمقدار ربع نقطة مئوية طوال عام 2026، وخفضاً إضافياً واحداً في العام 2027 ليصل السعر إلى مستوى 3%.
يرى رئيس قسم الأسواق العالمية ورئيس قسم الأبحاث في بنك «آي إن جي» كريس تيرنر أن البيانات الأخيرة تُبقي على احتمالية خفض الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة في عام 2026 مرتين حتى الآن.
وقال في مذكرة للعملاء: «نتوقع الآن خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس بحلول أبريل، وآخر بحلول سبتمبر، مع الإبقاء على أسعار الفائدة عند تلك المستويات حتى نهاية العام».
لكنه لفت في المذكرة إلى أن وصول أحد مؤيدي الرئيس دونالد ترامب إلى رئاسة الفيدرالي بعد رحيل باول في مايو المقبل قد يؤدي إلى تغير كبير في المعادلة، وهزة كبيرة في الأسواق، في ظل رغبة ترامب في الوصول بأسعار الفائدة قرب 1%.
في أحدث عاصفة أصابت الدولار وأجّجت المخاوف بشأن استقلالية البنك الفيدرالي، أكبر صانع للسياسة النقدية في العالم، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه «يرغب في أن يُخفّض الرئيس القادم لمجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة»، مؤكداً أن أي شخص يخالفه الرأي «لن يتولى هذا المنصب».
وفي هذا السياق، حذّر بنك التسويات الدولية (BIS) في أحد تقاريره الأخيرة من أن تآكل مصداقية السياسة النقدية في الاقتصادات الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة، قد يفاقم تقلبات أسواق الصرف ويزيد من مخاطر انتقال العدوى المالية عالمياً.
وتشير أحدث البيانات المتداولة في الأسواق إلى أن حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية تراجعت إلى ما دون 60%، مقارنة بمستويات قاربت 71% مطلع الألفية، في انعكاس تدريجي لتحوّل تدفقات رؤوس الأموال نحو عملات وأصول بديلة.
ويُعيد هذا المشهد إلى الأذهان فترات تاريخية مفصلية، أبرزها سبعينيات القرن الماضي وما أعقب الأزمة المالية العالمية في 2008، حين تزامن ضعف الدولار مع ضغوطٍ سياسية على البنوك المركزية، ما فجّر موجات تقلب حادة في أسواق العملات وتدفقات رؤوس الأموال.
توقع محللو «إم.يو.إف.جي» أن ينخفض مؤشر الدولار 5% العام المقبل، مرجحين أن يكون مدفوعاً في المقام الأول بحالة الاقتصاد الأميركي واتجاه السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
كتب خبراء بنك «إم.يو.إف.جي» في مذكرة: «نتوقع أن تخفض اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أسعار الفائدة ثلاث مرات العام المقبل، بواقع مرةٍ في كل ربع سنة حتى الربع الثالث».
وفي ظل هذا المشهد، لا يُعد ضعف الدولار عاملاً سلبياً بالضرورة للأسواق العالمية، إذ قد يساهم في دعم الاستقرار النسبي عبر إعادة توجيه تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول غير الأميركية والأسواق الناشئة.
لكن أي اهتزاز في مصداقية السياسة النقدية الأميركية قد يحوّل هذا الضعف من فرصة استقرار إلى مصدر اضطراب عالمي واسع.