اختفاء النبرة التيسيرية من بيان السياسة النقدية
السوق يتوقع رفعاً واحداً لأسعار الفائدة على الأقل

في مفاجأة من العيار الثقيل، صُدمت الأسواق بقرارات وتصريحات كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي»، في أول اجتماع يترأس فيه البنك، خلفاً لجيروم باول الذي لطالما عارض رغبة الأميركي دونالد ترامب بخفض سعر الفائدة.
حذف وارش أجزاء كثيرة من مسودة الفيدرالي، مزيلاً اللهجة المائلة للتيسير النقدي، فيما يُعد تحولاً عن تأييده الصريح لخفض الفائدة وسياسة ترامب، في حين احتفظ البيان برسائل قصيرة تشير إلى قرار الفيدرالي وخطورة التضخم في الوقت الحالي.
كشف وارش عن مناقشة أعضاء الفيدرالي فكرة رفع الفائدة في اجتماعهم اليوم؛ ما منح الأسواق صورة عن الميل التشديدي للجنة، وعلى رأسها كيفن وارش.
كذلك لم يشارك كيفن وارش في مخطط «دوت بلوت»، حيث يضع كل أعضاء الفيدرالي توقعاتهم لأسعار الفائدة المستقبلية في هيئة نقاط، لتأتي نتيجة المخطط في عام 2026 بميل 9 من 18 عضواً، أي 50% إلى رفع الفائدة قبل نهاية 2026.
صدر قرار الفيدرالي الأميركي عن شهر يونيو بتثبيت الفائدة دون تغيير عند 3.75% كما توقعت الأسواق، في حين تفاجأت الأسواق بالتغيرات في مخطط «دوت بلوت» الذي يكشف عن آراء أعضاء الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة مستقبلاً.
أسهم رئيس الفيدرالي الجديد بتغيير مخطط «دوت بلوت» (Dot Plot) الكاشف عن توقعات أعضاء الفيدرالي لحركة السياسة النقدية وأسعار الفائدة في السنوات المقبلة.
أظهر مخطط النقاط محو أي توقعات لخفض الفائدة العام الحالي، مع الإشارة إلى إمكانية رفعها، حيث توقع الأعضاء وصول سعر الفائدة الوسيط إلى 3.8% بنهاية عام 2026؛ ما يعني أن خيار الرفع بمقدار ربع نقطة مئوية لا يزال مطروحاً على الطاولة بالتوافق.
كتب رئيس الدخل الثابت في بنك «جيه بي مورغان» بوب ميشيل: «كل أعضاء الفيدرالي يتعاملون مع التضخم بحذر ولا يعتبرونه شيئاً انتقالياً أو سريع الزوال».
وبناء على بيان الفيدرالي، سعّر المتداولون رفعاً بربع نقطة لأسعار الفائدة قبل نهاية 2026؛ ما يتوافق مع رأي 9 من بين 18 عضواً في الفيدرالي.
تشير توقعات الاحتياطي الفيدرالي إلى ارتفاع متوسط سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى 3.8% في عام 2026 (من 3.4%)، وإلى 3.6% في عام 2027، وإلى 3.4% في عام 2028، مع بقاء سعر الفائدة على المدى الطويل دون تغيير عند 3.1%.
ويتوقع المسؤولون الآن ارتفاع معدلات التضخم حتى عام 2026، مع عدم عودة مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) إلى الهدف المحدد عند 2% حتى عام 2028.
أما النمو فسيكون أقل قليلاً، في حين ستظل معدلات البطالة مستقرة بشكل عام، ولم يقدم توقعاته سوى 18 من أصل 19 من صانعي السياسات.
اختتم اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أمس، بإبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، في خطوة حملت البصمة الأولى لرئيسه الجديد كيفن وارش، من خلال إجراء تعديلات جذرية على لغة السياسة النقدية واختصار بيان اللجنة الفيدرالية بشكل غير مسبوق.
صوتت اللجنة بالإجماع على إبقاء معدل الاقتراض القياسي لليلة واحدة ثابتاً في نطاق 3.5% إلى 3.75%، وهو المستوى المستقر منذ خفض الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس في أواخر عام 2025.
شهد الاجتماع تحولاً هيكلياً في أدوات التواصل لدى الفيدرالي؛ إذ تراجع البنك صراحة عن نبرته التيسيرية السابقة بحذف العبارات التي تشير إلى نية خفض الفائدة مستقبلاً، واختُصر بيان السياسة النقدية إلى 130 كلمة فقط، مقارنة بـ341 كلمة في اجتماع أبريل الماضي.
وصف البيان النشاط الاقتصادي بأنه يتوسع بوتيرة صلبة رغم حالة عدم اليقين الناتجة جزئياً عن صراع الشرق الأوسط، مؤكداً قوة نمو الإنتاجية والاستثمارات الرأسمالية.
وأشار البيان إلى أن التضخم لا يزال مرتفعاً مقارنة بمستهدف 2% نتيجة صدمات الإمداد في قطاعات مثل الطاقة، مشدداً على التزام اللجنة بتحقيق استقرار الأسعار.
كما أشار إلى الإبقاء على سياسة الاحتياطيات الوفيرة دون خطط فورية لتقليص الميزانية العمومية البالغة 6.7 تريليون دولار في الوقت الراهن.
كان من بين أهم ردود الفعل ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، إذ صعد عائد سندات الخزانة لأجل عامين، والذي يتابع عن كثب سياسة الفائدة قصيرة الأجل للفيدرالي، بمقدار تسع نقاط أساس ليصل إلى 4.134%.
بينما أضاف عائد سندات الخزانة الأطول أجلاً لأجل 30 عاماً أقل من نقطتي أساس ليصل إلى 4.946%.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل عشر سنوات، والتي تمثل معياراً رئيسياً للاقتراض الحكومي الأميركي، بأقل من أربع نقاط أساس ليبلغ 4.467%.