الذهب شهد أعنف هبوط منذ عام 1983
الاتجاه يظل هشًا والمضاربون متحكمون

لم يكن التراجع الحاد الذي شهده الذهب مجرد تصحيح سعري عابر، بل اختبار قاسٍ لسمعته التاريخية كملاذ آمن، في وقت تتشابك فيه رهانات السياسة النقدية مع سلوك مضاربي غير مسبوق.
وبين أكبر هبوط منذ أربعة عقود وأقوى ارتداد يومي خلال 18 عاماً، يجد المستثمرون أنفسهم أمام سؤال جوهري: هل لا يزال الذهب يحتفظ بدوره التقليدي، أم أن قواعد اللعبة تغيّرت؟
لم يتأخر الثيران في الرد على الدببة الذين أفقدوا الذهب توازنه، دافعين إياه دون ذروته التاريخية بأكثر من 1200 دولار، مسجلين خلال تعاملات أمس أكبر صعودٍ يومي في نحو 18 عاماً.
وخلال تعاملات اليوم، نجحت العقود الآجلة للمعدن الأصفر في تجاوز مستويات 5100 دولار، مستعيدةً أكثر من نصف ما سُلب منها خلال عمليات جني أرباحٍ قاسية، شهد الذهب خلالها أكبر تراجعٍ يومي في نحو 43 عاماً.
والسؤال الآن: ما الذي ستسفر عنه المعركة التي تدور رحاها في أروقة صالات التداول بين دببةٍ راغبين في جني الأرباح وقطف ثمار ارتفاعاتٍ قياسية؛ وثيرانٍ طامحين في حصد المزيد من الأرقام التاريخية، مثبتين أنظارهم على «الموليتا» الحمراء، التي تمثل حاجز الـ6 آلاف دولار الذي بدا وشيكاً للغاية يوم الخميس الماضي.
ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 2.4%، أو ما يعادل 120 دولاراً، وصولاً إلى 5066 دولاراً للأونصة بحلول الساعة 10:20 بتوقيت غرينتش، بعد أن لامس في وقتٍ سابق اليوم 5092 دولاراً.
وفي الجلسة السابقة، قفز الذهب بنسبة 5.9%، وهو أكبر مكسبٍ يومي له منذ نوفمبر 2008، إلا أنه لا يزال بعيداً عن ذروة 5594.82 دولار، المسجلة يوم الخميس الماضي.
كما قفزت العقود الأميركية الآجلة للذهب لشهر أبريل بنسبة 3.7%، أو ما يعادل 182 دولاراً للأونصة، وصولاً إلى 5113.9 دولار.
وفي ختام تعاملات أمس، ارتفعت العقود الآجلة بنسبة 6.1%، أو ما يعادل 282.4 دولار، لتصل إلى 4935 دولاراً، ولا تزال أقل من مستوى 5606 دولارات، المسجل الأسبوع الماضي.
كانت أسعار الذهب قد انخفضت في ختام تعاملات الأسبوع الماضي المنتهي بنسبة 11%، أو ما يعادل 573 دولاراً، لتسجل أكبر خسائر يومية منذ عام 1983.
ومع استمرار الخسائر خلال جلسة مطلع الأسبوع، زادت خسائر الذهب إلى ما يقرب من 1200 دولار منذ ذروته التاريخية، وحتى نهاية تعاملات يوم الاثنين الماضي.
ويرتفع المعدن النفيس بنحو 17.4% منذ بداية العام الحالي 2026، مسجلاً 15 رقماً قياسياً، بعدما حقق مكاسب بنسبة 64% خلال عام 2025، وسجل 72 رقماً قياسياً.
تقول كبيرة محللي السوق في «إكس إس دوت كوم» رانيا غول: «صحيح أن تراجع الدولار عن أعلى مستوياته الأخيرة، بعد فشله في الحفاظ على زخم تعافيه من أدنى مستوى له في أربع سنوات، قد منح الذهب فرصةً للراحة على المدى القصير».
انخفض مؤشر الدولار الأميركي في تعاملات يوم الثلاثاء بنسبة 0.3% إلى 97.4، بعد أن شهد ارتفاعاً خلال جلستي التداول السابقتين بنسبة تجاوزت 1.4%.
ترى غول بحسب مذكرةٍ للعملاء، أن هذا الدعم لا يزال هشاً؛ لأنه لا يستند إلى تحولٍ جوهري في السياسة النقدية أو في بيئة المخاطر العالمية.
وقالت تعليقاً على الارتفاعات الأخيرة للذهب: «الدعم جاء من توقفٍ مؤقت في قوة الدولار وليس من ضعفٍ مستمر، السوق لا تزال تترقب توجهات كيفن وارش، في حال اختبار تصويت مجلس الشيوخ».
قالت كبيرة المحللين في «سويس كوت» للخدمات المالية، إيبك أوزكاردسكايا: «الأمر غير المعتاد بشكلٍ خاص في الارتفاع الذي شهدته المعادن الثمينة، هو أنه جاء حتى في الوقت الذي يبدو فيه أن شهية المخاطرة في السوق تتعافى».
وكتبت أوزكاردسكايا في مذكرةٍ للعملاء: «سلوك الذهب الأخير مثيرٌ للقلق، تقليدياً، كان الذهب بمثابة حمايةٍ من مخاطر السوق، لكنه يتصرف الآن كأصلٍ محفوفٍ بالمخاطر، بل أسوأ من ذلك، في بعض الأحيان كسهمٍ يُتداول بشكلٍ عشوائي، وقد تلاشت علاقته السلبية بالأصول الخطرة».
عزت كبيرة المحللين في «سويسكوت» هذا السلوك غير المعتاد إلى حدٍ كبير إلى المضاربة العالية والتموضع المدعوم بالرافعة المالية.
المشكلة تكمن في أن معظم المحافظ الاستثمارية المتنوعة لديها انكشافٌ على الذهب، لذا فإن هذا التقلب يؤثر على جميع مستويات المخاطر، بحسب أوزكاردسكايا، التي قالت إن ما حدث من تراجعاتٍ «أمرٌ مقلق».
وأضافت: «سيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان الانخفاض الأخير في الأسعار سيساعد في تخفيف أعراض التقلبات الحادة في أسعار الذهب واستعادة سمعته كأصلٍ آمن منخفض المخاطر وغير ضار، لأن هذا الوصف لم يعد مناسباً اليوم».
قال كبير محللي الأبحاث لدى «إندوس إند سيكيوريتيز» جيجار تريفيدي: «في المستقبل.. نتوقع نفس مستويات 5600 دولار للذهب بحلول نهاية النصف الأول أو نهاية أبريل، بينما ستواصل الأسعار الارتفاع بعد ذلك، وهدفنا لنهاية العام هو 6000 دولار».
في المقابل، يرى محللون أن بلوغ هذه المستويات سيظل مشروطاً بتراجع مستدام في الدولار أو تحول واضح في سياسة الاحتياطي الفيدرالي، محذرين من أن أي صدمة مفاجئة في السيولة قد تعيد التقلبات الحادة إلى الواجهة.
في حين قالت المحللة لدى «إيه.إن.زد» سوني كوماري: «بعد هذا الارتفاع الحاد، كان من المتوقع حدوث تصحيحٍ ولم يكن ذلك مفاجئاً، لكن حدة التراجعات وحجمها والمدى الزمني هو ما أثار حالةً من القلق».
وأضافت كوماري في مذكرةٍ للعملاء: «مع ارتفاع الذهب مرةً أخرى، لم تتغير الأساسيات كثيراً»، مشيرةً إلى أن الخلفية الجيوسياسية والاقتصادية ظلت دون تغييرٍ في الغالب.
وعلى الرغم من أن ضعف الدولار يوفّر دعماً تقنياً لأسعار الذهب، فإن هذا العامل وحده لم يعد كافياً لضمان استقرار الاتجاه الصاعد، في ظل تركّز التداولات قصيرة الأجل وارتفاع أحجام المضاربة، ما يحدّ من قدرة الذهب على لعب دوره الدفاعي التقليدي.
تلقى الذهب دعماً من انخفاض الدولار أمام معظم العملات الرئيسية، باستثناء الين، أمس، إذ عزز المتعاملون المكاسب الأخيرة التي حققوها بفضل البيانات الأميركية الإيجابية.
ويؤدي ضعف الدولار إلى انخفاض أسعار الذهب المقومة بالعملة الأميركية لحائزي العملات الأخرى، ما يزيد من جاذبية المعدن النفيس.
وبينما يلتقط الذهب أنفاسه بعد واحدة من أعنف حركاته السعرية في عقود، يبرز سؤال الآن.. هل سيظل الذهب حجر الزاوية في المحافظ العالمية، أم أن المستثمرين سيبحثون عن ملاذات أخرى بعد أن تغيرت قواعد اللعبة؟
تاريخياً، كان الذهب يستفيد من فترات العزوف عن المخاطرة، إلا أن تدفقات الاستثمار في السنوات الأخيرة، خصوصاً عبر المشتقات المالية وصناديق المؤشرات، غيّرت طبيعة تحركاته.
هذا التحول جعل المعدن النفيس أكثر عرضة للتقلبات الحادة، وأقرب في سلوكه إلى الأصول عالية المخاطر، بدلاً من كونه أداة تحوّط مستقرة.