logo
عقارات

قطاع البناء في تونس.. نمو متسارع يواجه اختبار الاستدامة والتمويل

قطاع البناء في تونس.. نمو متسارع يواجه اختبار الاستدامة والتمويل
يقفون عند نافورة أمام المدينة القديمة في تونس العاصمة يوم 4 أكتوبر 2024المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

يشهد قطاع البناء والأشغال العامة في تونس انتعاشاً غير مسبوق، جعله أحد أبرز محركات النمو في الاقتصاد الوطني خلال عام 2025، فبين مشاريع البنية التحتية الكبرى والاستثمارات الحكومية المتزايدة، يواصل القطاع تشييد أسس جديدة للنمو، مساهماً بنسبة 4% في الناتج المحلي ومولداً مئات آلاف فرص العمل.

لكن خلف هذا الزخم، تقف عدة تحديات ما بين ارتفاع تكلفة المواد وتباطؤ التمويل البنكي، إلى الحاجة الملحّة لإصلاحات تُعزّز الاستدامة وتُحفّز القطاع الخاص.

أخبار ذات صلة

مبنى وزارة المالية التونسية - 4 نوفمبر 2021.

بفضل السياحة والمغتربين.. تونس تسدد أقساط ديونها الخارجية لعام 2025

استثمارات قوية

في عام 2025، حقق قطاع البناء نمواً لافتاً بنسبة 5.8% خلال النصف الأول، وفقاً لبيانات المعهد الوطني للإحصاء، مع تسجيل ارتفاع قوي بلغ 9.6% في الربع الثاني.

وانعكس هذا النمو في ارتفاع الناتج المحلي للقطاع إلى 1.086 مليار دينار تونسي (350.55 مليون دولار)، في الربع الثاني، مقارنة بـ1.044 مليار دينار (336.77 مليون دولار) في الربع الأول.

وهذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل تعبر عن مساهمة القطاع بنسبة 3.59% في نمو الطلب الداخلي الذي بلغ 3.3%، وهو ما يبرز دوره كمحرك اقتصادي.

استثمارات حكومية

وتعود هذه النهضة إلى الاستثمارات الحكومية القياسية التي خصصتها الحكومة التونسية ضمن موازنة العام 2025، والتي بلغت 2.8 مليار دينار، بزيادة 7% على العام السابق.

وركزت هذه الاستثمارات على مشاريع البنية التحتية الحيوية، مثل تطوير الطرق السريعة والموانئ، إلى جانب برامج الإسكان الاجتماعي التي استهدفت تحسين ظروف المعيشة.

ولم تعزز هذه المشاريع النمو الاقتصادي الذي بلغ 3.2% خلال الربع الثاني من العام 2025 فحسب، بل دعمت سلسلة القيمة للمواد الإنشائية، مثل الإسمنت والحديد، مما خلق تأثيراً إيجابياً على الصناعات المرتبطة.

مواطن على دراجة عند غروب الشمس في تونس، 1 أغسطس 2021.
مواطن على دراجة عند غروب الشمس في تونس، 1 أغسطس 2021. المصدر: رويترز

في الوقت ذاته، بدأت تونس تجذب أنظار المستثمرين الأجانب. فقد سجل الاستثمار الأجنبي المباشر نمواً بنسبة 8% في الربع الأول من 2025، بقيمة 450 مليون دينار.

وتركزت هذه الاستثمارات على العقارات الفندقية ذات الأربع والخمس نجوم ومشاريع الطاقة المتجددة، وهي مجالات تتماشى مع رؤية تونس لتعزيز السياحة والاستدامة.

ومع ذلك، يرى رئيس نقابة المهندسين المعماريين وجيه الخليفي، في حديث مع «إرم بزنس»، أن المستثمرين الأجانب لا يزالوا متحفظين، ويفضلون المشاريع ذات العائد المضمون والمدعومة بشركاء حكوميين، مؤكداً أن تحقيق جاذبية استثمارية حقيقية يتطلب التركيز على البناء السكني التجاري الموجه للسوق المحلية، لأن ذلك يعكس ثقة أعمق في استقرار الاقتصاد التونسي.

القطاع الخاص

ولم تقتصر إنجازات قطاع البناء والتشييد على النمو الاقتصادي فحسب، بل امتدت لتشمل خلق فرص عمل كبيرة بفضل الدعم الحكومي، حيث وفر هذا القطاع نحو 510 آلاف فرصة عمل مباشرة في 2025، وفقاً لتصريح رئيس الجامعة الوطنية للبناء والأشغال العامة  جمال الكسيبي، في حديث مع «إرم بزنس».

ويرى الكسيبي أن هذا القطاع يمتلك القدرة على دفع عجلة الاقتصاد وخلق المزيد من الوظائف، لكنه يحتاج إلى تدخل إيجابي من الدولة لحل المشاكل العالقة ودعم شركات المقاولات التونسية، مشيراً إلى أن هذه الفرص ليست مجرد أرقام، بل تمثل أملاً لآلاف العائلات التونسية التي تعتمد على هذا القطاع لتحسين مستوى معيشتها.

لكن، ورغم هذا الزخم، يواجه القطاع الخاص تحديات كبيرة، فقد أدى التضخم العالمي إلى ارتفاع أسعار مواد البناء، مثل الأسمنت والصلب، بنسبة 15%، وهو ما زاد من تكاليف المشاريع.

إلى جانب ذلك، تعاني الشركات المحلية من صعوبة الحصول على قروض بنكية بشروط ميسرة، وفقاً لـ«الكسيبي»، مشيراً إلى أن هذه التحديات أدت إلى تجميد السوق الخاصة، حيث أصبح المقاولون المحليون يعتمدون بشكل شبه كلي على المشاريع الحكومية، وهذا الاعتماد يحد من قدرتهم على التوسع ويقلل من مرونة القطاع في مواجهة التقلبات الاقتصادية.

أخبار ذات صلة

مدينة بنزرت شمالي تونس في 13 سبتمبر 2025.

من المزرعة إلى المصنع والسائح.. تونس تراهن على الرقمنة لدفع النمو

البناء الإيكولوجي

وفي مواجهة ارتفاع تكاليف المواد، يبرز البناء الإيكولوجي كحل مبتكر يعيد تشكيل مستقبل القطاع خاصة بعد صدور القانون «التوجيهي للبناء المستدام» أواخر عام 2024، فقد بدأت تونس تتبنى تقنيات حديثة مثل العزل الحراري، وأنظمة الطاقة الشمسية، واستخدام مواد صديقة للبيئة، مثل الجبس الطبيعي المتوفر بكثرة في البلاد، فهذه المادة تمثل بديلاً مستداماً للأسمنت، مما يقلل من التكاليف ويحافظ على البيئة.

ويؤكد الخبير المعماري هيثم غندري، في حديث مع «إرم بزنس» أن هذا التوجه أصبح معياراً رئيسياً لترشيد استهلاك الطاقة، مدعوماً بصندوق الانتقال الطاقي والإيكولوجي.

وأضاف أن البناء الإيكولوجي هو الحل الأمثل لتونس اليوم، التي تواجه تحديات في الطاقة، ومواد البناء، والأيدي العاملة، مشيراً إلى أن سوق البناء الإيكولوجي يشهد توسعاً تدريجياً، حيث يزداد إقبال التونسيين على تشييد منازل مستدامة، ليس فقط لتوفير الوقت والطاقة، بل أيضاً لجماليتها المعمارية.

ويشير غندري إلى أن هذا النمط المعماري، الذي بدأته وزارة التجهيز في التسعينيات، يحتاج إلى دعم حكومي أكبر ليصبح معياراً للمنشآت العمومية حتى يعزز الكفاءة البيئية ويقلل الانبعاثات الكربونية.

تحديات تهدد الاستدامة

وعلى الرغم من الإنجازات اللافتة، يواجه قطاع البناء عقبات هيكلية تعيق تقدمه، إذ تظل الإجراءات الإدارية بطيئة، حيث يستغرق الحصول على رخصة بناء معقدة أكثر من 120 يوماً، مما يثبط روح المبادرة ويزيد التكاليف، وفقاً لرئيس نقابة المهندسين المعماريين.

يضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات الفائدة على القروض البنكية التي تحد من الطلب على المساكن الجديدة.

ويشير الكسيبي إلى خسارة القطاع للعديد من الكفاءات الذين هاجروا إلى الخارج بحثاً عن فرص أفضل، داعياً إلى تدخل عاجل من الدولة لدعم شركات المقاولات، وتسهيل التراخيص، وتوفير حوافز للحفاظ على العمالة المحلية.

آفاق المستقبل

إلى ذلك، يتوقع صندوق النقد العربي نمو الاقتصاد التونسي بنسبة 3.2% في 2025، مع تباطؤ محتمل إلى 3% في 2026، مدعوماً بانخفاض التضخم إلى 5.3% بفضل تراجع أسعار المواد الغذائية.

لكن مستقبل قطاع البناء يعتمد على إصلاحات عاجلة منها تسريع الإجراءات الإدارية من خلال إطلاق منصات رقمية للتراخيص، وتوفير قروض ميسرة بفوائد منخفضة، وتوسيع البناء الإيكولوجي كمعيار إلزامي للمنشآت العمومية، وهي خطوات ضرورية لتعزيز جاذبية القطاع  أمام المستثمرين.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف