
يبدو أن النظام المالي العالمي يعيش مرحلة توتر متصاعد، فمع احتدام المنافسة بين القوى الكبرى، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى تصاعد المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، بدأت عقود من التكامل المالي المتزايد تتفكك تدريجياً.
ولم تعد الرسوم الجمركية والعقوبات والاستثمارات المقيدة أدوات ظرفية للسياسات الاقتصادية، بل أصبحت جزءاً من إعادة تموضع استراتيجي أعمق يعيد رسم خريطة تدفقات الأموال والائتمان والنفوذ حول العالم.
في تحليل جديد ضمن «تقرير جنيف لعام 2025 حول الاقتصاد العالمي»، حذرت «مؤسسة بروكينغز» من أن العالم يسير نحو نظام مالي مقسوم إلى تكتلات متنافسة. فالتدفقات المالية التي كانت تربط الاقتصادات ببعضها وتوفر الاستقرار، أصبحت الآن تتجه وفق خطوط الولاء الجيوسياسي، في تحول يهدد بنسف أحد أهم إنجازات العولمة.
طوال حقبة ما بعد الحرب الباردة، أتاح التكامل المالي للدول أن تقترض بتكاليف أقل، وأن تتشارك المخاطر، وأن توجه الاستثمارات إلى حيث تتوافر أفضل العوائد. تلك الشبكة من الاعتماد المتبادل ساهمت في تخفيف حدة الأزمات وفي إيجاد نوع من الدبلوماسية الاقتصادية.
غير أن تصاعد التوترات السياسية جعل هذه الروابط عبئاً لا ميزة، إذ يشير التقرير إلى أن تفكك النظام المالي العالمي لا يرفع فقط تكلفة التمويل، بل يقوّض أيضاً القدرة الجماعية على التعامل مع الأزمات حين تقع.
وتتضح ملامح هذا الانقسام في عدة اتجاهات. فحركة الاستثمار الأجنبي المباشر باتت تتركز داخل دوائر الحلفاء السياسيين، خاصة في القطاعات الحساسة مثل أشباه الموصلات والطاقة. أما روسيا، فمنذ بداية الحرب في أوكرانيا عام 2022، فقد انقطعت عملياً عن الأسواق المالية الغربية، وخفضت التزاماتها الخارجية إلى النصف.
في المقابل، تعمل الصين على تقليص انكشافها على الأصول الأميركية، مع توسيع نطاق إقراضها للدول النامية عبر مراكز مالية خارجية. وردّت القوى الغربية بتعزيز ترابطها المالي فيما بينها مع تقليص تعاملها مع بكين.
تتحمل الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية العبء الأكبر من هذا التحول. فهذه الدول تعتمد على الاستثمارات الغربية كمصدر رئيس للنمو. ومع اتساع الانقسامات الجيوسياسية، تتراجع التدفقات الرأسمالية نحوها، ما يرفع تكاليف الاقتراض ويقلص فرص التمويل.
ويرى تقرير «بروكينغز» أن مجرد تصاعد حالة عدم اليقين السياسي كفيل بزعزعة استقرار الأنظمة المالية الهشة، حتى قبل فرض أي عقوبات فعلية.
لا يزال الدولار الأميركي العمود الفقري للنظام المالي العالمي، إذ يشكل نحو 60% من احتياطيات النقد الأجنبي و90% من معاملات الصرف العالمية. أما اليورو فيحتفظ بدور قوي على المستوى الإقليمي، في حين لا تزال حصة اليوان الصيني محدودة عند نحو 2%.
ومع ذلك، تتنامى محاولات الانفكاك عن العملات الغربية. فدول مثل روسيا وبيلاروس وتركيا قلّصت استخدام الدولار واليورو، واتجهت إلى تكديس الذهب في احتياطاتها إلى مستويات لم تُسجَّل منذ حقبة «بريتون وودز» (Bretton Woods) عام 1965، حين كان الذهب يشكّل الأساس الذي يقوم عليه النظام النقدي العالمي. ويشير التقرير إلى أن استقرار النظام النقدي الدولي قد يبدو دائماً لعقود، لكنه يمكن أن يتغير فجأة عندما تتبدل موازين القوى.
لم تعد البنية التحتية المالية عالمية الطابع، مثل نظام التحويلات الخاص بـ«جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك»، المعروفة اختصاراً بـ«سويفت» (SWIFT) أو «نظام المدفوعات بين البنوك» (CHIPS)، محايدة كما كانت من قبل. فقد أظهرت العقوبات الأميركية في العقد الماضي، وخاصة استبعاد روسيا من «سويفت» عام 2022، كيف يمكن لهذه الأنظمة أن تُستخدم كأدوات ضغط سياسية.
ولمواجهة ذلك، طوّرت بعض الدول أنظمة دفع بديلة، مثل نظام «سي آي بي إس» (CIPS) التابع للصين، وهو «نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود» الذي يتيح تسوية التعاملات باليوان، ونظام «إس بي إف إس» (SPFS) الروسي، وهو «نظام نقل الرسائل المالية» الذي أنشأه البنك المركزي الروسي كبديل محلي عن «سويفت». إلا أن هذه الأنظمة لا تزال محدودة الانتشار مقارنة بالبنية الغربية السائدة.
يشهد العالم أيضاً تحولاً رقمياً متسارعاً مع صعود «العملات المستقرة» (Stablecoins)، وهي رموز رقمية تصدرها شركات خاصة وتكون مرتبطة غالباً بالدولار. ورغم أن توسعها قد يعزز من الطلب على الأصول الأميركية ويكرّس مكانة الدولار، إلا أنها تثير مخاطر جديدة تتعلق بالتنظيم والشفافية والقدرة على الصمود في الأزمات.
ويرى التقرير أن تضارب القواعد الوطنية في التعامل مع هذه العملات يمكن أن يزيد من تفكك النظام المالي العالمي بدلاً من توحيده.
تضخمت شبكة الأمان المالي العالمية، التي تشمل احتياطيات الدول وصناديق الإقراض التابعة لصندوق النقد الدولي وآليات إقليمية مثل آلية الاستقرار الأوروبية ومبادرة «تشيانغ ماي» (Chiang Mai) الآسيوية، لتصل إلى نحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
لكن توزيع هذه الحماية غير متكافئ: فالدول المتقدمة تتمتع بإمكانية وصول سريعة إلى السيولة، بينما تواجه الدول النامية فجوات كبيرة. ويخشى باحثو «بروكينغز» أن تؤدي الانقسامات السياسية إلى تعطيل التنسيق الدولي في اللحظة التي يكون فيها العالم في أمسّ الحاجة إليه.
العواقب المحتملة لتعمّق الانقسام واضحة: ارتفاع تكاليف التمويل، وتباطؤ المدفوعات، وتقلبات أشد في أسعار الصرف، وتراجع فعالية العقوبات، وتآكل قدرة المؤسسات الدولية مثل «صندوق النقد» و«مجموعة العشرين» على العمل المشترك.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أن هذا المسار ليس حتمياً. فإعادة بناء الثقة تتطلب التزاماً متجدداً بالتعددية، ومنح الاقتصادات الناشئة صوتاً أكبر في المؤسسات المالية الدولية، وتعزيز الشفافية في إعادة هيكلة الديون، وضبط استخدام العقوبات المالية حتى لا تُقوِّض مصداقية النظام ذاته.
كما يدعو الخبراء إلى تحديث أنظمة الدفع العالمية لضمان تكاملها وتنظيم العملات الرقمية بطريقة تحافظ على وحدة النظام المالي بدلاً من تقسيمه. فالعالم، كما يخلص التقرير، يقف اليوم بين خيارين: عالم الجدران المحصّنة أو عالم القنوات المفتوحة.
وفي وقت تتقاطع فيه الطموحات السياسية مع الاعتماد المالي المتبادل، قد يكون الاختبار الحقيقي للنظام الدولي هو ما إذا كان سينحني أمام العواصف القادمة أم سينكسر نهائياً.