المخزونات تتراجع إلى مستويات 1984
انتظام حركة الملاحة في مضيق هرمز

محت أسعار النفط كل المكاسب التي حققتها منذ اندلاع حرب إيران، لتعود إلى مستويات ما قبل الحرب للمرة الأولى، في إشارة إلى أن السوق تخلى عملياً عن علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت الأسعار خلال الأشهر الماضية.
جاء التراجع مع استمرار عودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز واقتراب تدفقات النفط من مستوياتها الطبيعية؛ ما أعاد تركيز المستثمرين إلى أساسيات العرض والطلب بدلاً من رهانات الحرب واحتمالات تعطل الإمدادات.
ورغم الضغوط البيعية القوية، حد من خسائر السوق تراجع مخزونات النفط الأميركية إلى أدنى مستوى لها منذ عام 1984، في مؤشر على استمرار قوة الطلب الفعلي على الخام.
ويعني ذلك أن السوق محا فعلياً معظم علاوة المخاطر التي أضافتها الحرب، مع عودة التركيز إلى أساسيات العرض والطلب بدلاً من المخاوف الجيوسياسية.
قال المحلل لدى «آي جي» توني سيكامور في مذكرة: «فاجأت سرعة هذا الانخفاض الكثيرين، إذ تتوقع الأسواق عودة نفط الشرق الأوسط بوتيرة أسرع بكثير مما توقعه كثيرون قبل أسبوعين فقط».
قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في منتدى أمس الأربعاء: إن التدفقات عبر مضيق هرمز قاربت مستوياتها التي كانت عليها قبل اندلاع الحرب مع إيران، مشيراً إلى خروج ما لا يقل عن 20 مليون برميل من المضيق خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
أضاف رايت: «العودة إلى الوضع الطبيعي تماماً ستستغرق بضعة أسابيع لضرورة إزالة الألغام من المضيق».
وفتحت عُمان أمس مسارات مؤقتة لتسهيل خروج الناقلات من مضيق هرمز، وتنسق المنظمة البحرية الدولية والسلطات العُمانية حركة السفن.
كما زار رئيس وزراء قطر عُمان لإجراء محادثات حول بدء مفاوضات مع إيران والعراق ودول الخليج بشأن الإدارة المستقبلية للمضيق.
يعد مضيق هرمز الشريان الأهم لتجارة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، وهو ما جعل أي اضطراب في الملاحة خلال الحرب ينعكس فوراً على الأسعار، قبل أن تتراجع تلك المخاوف مع استئناف حركة الناقلات.
كتب محللو بنك «آي إن جي»: «ما يزيد ضعف السوق، أن شحنات النفط الخام الفعلية صارت تباع بخصم في جميع أنحاء العالم وسط تغير في التدفقات وضغوط تتعرض لها الأسواق جراء الارتفاع السريع في الإمدادات من الشرق الأوسط، وتأهب إيران لزيادة مبيعاتها بدعم من إعفاء مؤقت من العقوبات الأميركية».
وجرى تداول أسعار خام برنت لتسليم الشهر الثاني أعلى من أسعار التسليم الفوري للمرة الأولى منذ الحرب، في إشارة إلى زيادة المعروض على المدى القريب.
كما قال محللو بنك «آي إن جي» في مذكرة: «تغذي الإشارات الإيجابية الواردة من الخليج العربي التفاؤل بشأن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، مع زيادة عدد السفن العابرة في الأيام القليلة الماضية، رغم أنها لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب».
سمحت الولايات المتحدة الأسبوع الجاري ببيع النفط الإيراني، مخففة بذلك العقوبات التي استمرت لعقود، في إطار سعيها للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي مع طهران مقابل التزامات تتعلق بالتفتيش النووي والمرور الحر عبر مضيق هرمز.
يرى محللون أن الشكوك لا تزال قائمة بشأن مدى صمود هذا الاتفاق، إذ قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول أمس الثلاثاء إن إيران وافقت على عمليات تفتيش نووي إلى أجل غير مسمى، في حين أكدت طهران أنها لم تقدم أي تنازلات من هذا القبيل خلال المفاوضات.
مع ذلك، ظلت المخزونات الأميركية محدودة بسبب الطلب القوي على التكرير، ووسط سحب كميات من النفط من المخزون الاحتياطي الطارئ للحكومة.
كذلك أفادت إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن مخزونات الخام الأميركية، بما في ذلك المخزونات التجارية والموجودة في الاحتياطي الاستراتيجي للنفط، انخفضت 15.1 مليون برميل لتصل إلى 743.3 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في الـ19 من يونيو، وهو أدنى مستوى منذ عام 1984.
خفض «جيه بي مورغان» توقعاته لأسعار خام برنت في النصف الثاني من عام 2026، في ظل ضعف الطلب على النفط وتراجع سحب المخزونات التجارية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن المستويات المتوقعة.
وتوقع محللو «جيه بي مورغان» أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 86 دولاراً للبرميل في الربع الثالث، و80 دولاراً للبرميل في الربع الأخير من العام.
في الوقت الذي تراجعت فيه المخاطر الجيوسياسية سريعاً، لا يزال السوق تواجه مفارقة لافتة تتمثل في انخفاض المخزونات العالمية إلى مستويات تاريخية، مقابل توقعات بزيادة المعروض من الشرق الأوسط خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يفسر حالة التذبذب الحادة في توقعات المؤسسات المالية لأسعار النفط.
كما أن عودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية بصورة أكثر حرية قد تعيد رسم خريطة التدفقات النفطية خلال النصف الثاني من العام، خصوصاً إذا تحولت الإعفاءات الأميركية المؤقتة إلى تفاهمات أطول أجلاً ضمن اتفاق سلام نهائي، وهو ما قد يضيف ضغوطاً هبوطية جديدة على الأسعار.
ومع مضي مفاوضات السلام، يسقط البرميل في قبضة معادلة صعبة: تدفقات هرمز وانتظامها من جانب، ونقص المخزونات العالمية من جانب آخر.