
اختتم وزراء طاقة دول «مجموعة السبع» اجتماعهم الطارئ دون اتخاذ قرار فوري بالسحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، مكتفين بتكليف «وكالة الطاقة الدولية» بإجراء دراسة معمقة للخيارات المتاحة للتعامل مع اضطرابات سوق الطاقة العالمية.
ويعكس القرار ما وصفه مراقبون بالتريث في التعامل مع التقلبات الحادة في سوق النفط، إذ فضلت الدول الصناعية الكبرى الإبقاء على مخزوناتها الطارئة كأداة احتياطية في حال تفاقم الأزمة، بدلاً من استخدامها فوراً.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تراقب فيه الأسواق تداعيات التوتر في الشرق الأوسط واحتمالات تعطل الإمدادات عبر «مضيق هرمز»، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم، والذي تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وكانت دول مجموعة السبع قد ناقشت خلال الأيام الماضية استخدام أحد أهم أدوات الطوارئ في سوق الطاقة، وهو إطلاق كميات كبيرة من النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية في محاولة لتهدئة اضطراب حاد في الأسواق العالمية.
لكن محللين نقلت عنهم صحيفة «فايننشال تايمز» يرون أن هذه الخطوة، رغم قدرتها على تخفيف التوتر مؤقتاً، قد لا تكون كافية لاحتواء صدمة إمدادات واسعة إذا استمر الصراع في الخليج وتعطلت حركة الشحن عبر المضيق.
تفاعلت الأسواق سريعاً مع الأنباء عن احتمال استخدام الاحتياطيات. فقد تراجع خام برنت في وقت سابق من الأسبوع بعدما كشفت تقارير إعلامية عن مناقشات داخل «مجموعة السبع» حول إطلاق مخزونات النفط الاستراتيجية.
كما ساهمت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحدث فيها عن احتمال انتهاء الحرب «قريباً جداً»، في تهدئة الأسعار مؤقتاً إلى مستويات دون 90 دولاراً من ذروة بلغت نحو 119 دولاراً، في حركة تعكس حساسية السوق الشديدة لأي إشارات سياسية تتعلق بالإمدادات.
غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن تأثير إطلاق الاحتياطيات غالباً ما يكون محدوداً. فقد شهد العالم خمس عمليات رئيسية فقط للإفراج عن المخزونات الاستراتيجية منذ إنشاء هذا النظام، بدءاً من حرب الخليج الأولى في مطلع التسعينيات وصولاً إلى الإفراج الكبير عن الاحتياطيات بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

يرى مارتين راتس، الاستراتيجي العالمي لأسواق النفط في «مورغان ستانلي»، أن الأدلة على قدرة هذه الخطوة في خفض الأسعار «غير حاسمة». ففي كثير من الحالات، استمرت الأسعار في الارتفاع حتى بعد إعلان الحكومات السحب من الاحتياطيات، لأن هذه الخطوة نفسها تعكس حجم التوتر في السوق.
ويشير خبراء السوق إلى أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بنقص النفط في العالم بقدر ما ترتبط بانقطاع التدفقات المنتظمة التي تغذي المصافي وسلاسل التوريد.
وفي هذا السياق، يوضح بول هورسِنِل من معهد أكسفورد لدراسات الطاقة أن المخزونات لا تستطيع ببساطة أن تحل محل تدفقات النفط اليومية، إذ تعتمد السوق على تدفق مستمر للإمدادات وليس على كميات مخزنة تُسحب تدريجياً.
تبلغ الاحتياطيات الطارئة الحكومية لدى الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية نحو 1.2 مليار برميل، كما تلزم الوكالة أعضاءها بالاحتفاظ بمخزونات تكفي 90 يوماً من الواردات النفطية لمواجهة أي اضطراب في الإمدادات.
وتشير البيانات إلى أن حكومات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كانت تمتلك في نهاية العام الماضي أكثر من 900 مليون برميل من النفط الخام ونحو 300 مليون برميل من المنتجات المكررة مثل البنزين والديزل.
إلى جانب ذلك، تحتفظ شركات النفط والمصافي والتجار بنحو 2.8 مليار برميل إضافية من النفط والمنتجات المكررة، من بينها نحو 600 مليون برميل يمكن للحكومات الوصول إليها في حالات الطوارئ.
لكن جزءاً من هذه الكميات يمثل مخزوناً تشغيلياً ضرورياً لاستمرار عمل منظومة الطاقة، مثل النفط الموجود داخل خطوط الأنابيب أو مرافق التخزين المرتبطة بالمصافي، ما يعني أن استخدامه بالكامل ليس خياراً عملياً.
تبدو هذه الأرقام محدودة مقارنة بحجم الاضطراب المحتمل. ففي الظروف الطبيعية، يمر عبر «مضيق هرمز» نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات المكررة، ما يجعل أي تعطيل فيه ذا تأثير واسع على الأسواق العالمية.
ويرى بعض المحللين أن الأزمة الحالية قد تمثل واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في تاريخ سوق النفط الحديث، خاصة بالنسبة لآسيا التي تعتمد بشكل كبير على النفط القادم من الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يواصل المشترون في الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، البحث عن إمدادات في الأسواق الدولية رغم امتلاكهم احتياطيات استراتيجية يُقدَّر أنها تكفي لأكثر من 120 يوماً من الواردات.