logo
اقتصاد

تركيا في مرمى تداعيات الحرب.. احتياطيات تحت الضغط وتضخّم متصاعد

تركيا في مرمى تداعيات الحرب.. احتياطيات تحت الضغط وتضخّم متصاعد
ميناء مرسين الدولي.المصدر: شاترستوك
تاريخ النشر:

تقف تركيا، التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط من الخليج وروسيا، في موقع محايد ظاهرياً تجاه حرب إيران، في ظل تشابك مصالحها وعلاقاتها مع مختلف أطرافها. إلا أن مسارها الاقتصادي يبقى منخرطاً بشكل مباشر في انعكاسات هذا الصراع.

وتبرز مجموعة من التحديات، في مقدمتها الضغوط على الاحتياطي الأجنبي نتيجة تدخلات دعم الليرة التركية في مواجهة ارتفاع الدولار وأسعار الطاقة، إلى جانب تصاعد الضغوط التضخمية.

وتنعكس هذه العوامل على قطاعات حيوية، أبرزها السياحة، فضلاً عن العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج، في مقابل احتمالات استفادة محدودة عبر دور محتمل كممر تجاري بديل أو مركز لوجستي مؤقت قد يفتح نافذة لإيرادات إضافية.

ويرى محللون اقتصاديون، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أن تأثير الحرب في الاقتصاد التركي يظل متفاوتاً في المدى القريب، مع بروز قطاع الطاقة كأحد أكثر القطاعات تأثراً.

أخبار ذات صلة

يستخدم آلة لعد أوراق نقدية من الليرة التركية بمكتب صرافة في العاصمة التركية أنقرة، يوم 20 يوليو 2023.

الاتحاد الأوروبي يعرض على تركيا الانضمام إلى نظام مدفوعاته

واقع متذبذب

بعد أيام من «حرب إيران»، حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، في 5 مارس، من أن الصمود الاقتصادي العالمي يخضع لاختبار مرة أخرى بسبب الصراع الجديد في الشرق الأوسط، وبالفعل ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين وأسعار النفط، لا سيما عقب تعطل المرور من «مضيق هرمز» الاستراتيجي الذي يمر منه نحو 20 مليون برميل نفط يومياً.

وطالت تداعيات الحرب تركيا مبكراً، وكشف تقرير لـ«بلومبرغ إيكونوميكس»، في 11 مارس أن استنزافاً هائلاً في احتياطيات البنك المركزي التركي لحماية الليرة (44 ليرة للدولار الواحد من 14 ليرة في 2022) من الانهيار؛ ما وضع صناع السياسة النقدية في مأزق، مشيراً إلى تراجع صافي الاحتياطيات بنحو 25.7 مليار دولار في الفترة ما بين 2 و9 مارس الجاري.

وفي 12 مارس، أظهرت بيانات البنك المركزي التركي أن إجمالي الاحتياطيات الدولية تراجع إلى نحو 197.5 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي في 6 مارس.

منظر لسفينة سفن فيغا 7 في ميناء سرايبيرنو بإسطنبول، والتي ستقوم بمد خطوط أنابيب تحت البحر ضمن المرحلة الثانية من مشروع حقل ساكاريا للغاز، في 1 ديسمبر 2025 في إسطنبول، تركيا.
منظر لسفينة سفن فيغا 7 في ميناء سرايبيرنو بإسطنبول، والتي ستقوم بمد خطوط أنابيب تحت البحر ضمن المرحلة الثانية من مشروع حقل ساكاريا للغاز، في 1 ديسمبر 2025 في إسطنبول، تركيا. المصدر: (أ ف ب)

وفي اليوم ذاته، قرر البنك المركزي التركي تثبيت سعر الفائدة عند 37%، متعهداً بالحفاظ على سياسة نقدية متشددة للحد من التأثير المحتمل لهذه التطورات الجيوسياسية على التضخم، بالتنسيق مع التدابير المالية.

وارتفع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في فبراير إلى 31.53 %، فيما سجّل معدل التضخم الشهري ارتفاعاً بنسبة 2.96%.

والخميس، قال وزير المالية التركي محمد ‌شيمشك، في بيان عبر حسابه على منصة «إكس»: «بعد أن أظهرت البيانات بلوغ عجز ميزان المعاملات الجارية 6.807 مليار دولار في يناير، ارتفع العجز السنوي في الحساب الجاري إلى 32.9 مليار دولار».

وأضاف: «نظراً للتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، قد يتجاوز عجز الحساب الجاري في عام 2026 التوقعات، ومع ذلك، نرى أن هذه الزيادة قابلة للإدارة بفضل متانة أسس اقتصادنا الكلي وقدرة اقتصادنا على الصمود في وجه الصدمات».

وفي أعقاب هذه الخطوات، قالت «ستاندرد آند بورز غلوبال ريتنجز» لـ«رويترز»، إن تركيا شديدة التأثر بصدمة أسعار الطاقة الناجم عن تفاقم الصراع في الشرق الأوسط، ومعدلات التضخم المرتفعة، ‌إلا أنه يمكن أن يكون هناك بعض الجوانب الإيجابية للبلاد على المدى المتوسط لتركيا، إذا تم اعتبار الشرق الأوسط وجهة أكثر خطورة للاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة.

أخبار ذات صلة

جسر السلطان محمد الفاتح، إسطنبول، تركيا، 24 مايو 2025.

تركيا تدرس بيع حقوق تشغيل الطرق السريعة والجسور لخفض النفقات

تأثر مباشر

يقر رجل الأعمال غزوان المصري، نائب رئيس منتدى الأعمال الدولي (IBF) وعضو جمعية «الموصياد» لرجال الأعمال، في حديث لـ«إرم بزنس»، بأن «تركيا تتأثر بشكل مباشر بأي توتر جيوسياسي في الشرق الأوسط؛ بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة».

وتستورد تركيا نحو 90% من احتياجاتها من النفط والغاز من الخارج، ويأتي جزء مهم منها من روسيا والعراق ودول الخليج وكذلك أذربيجان والجزائر وإيران، ما يجعل ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب الإمدادات عاملًا ضاغطًا على الاقتصاد التركي، خصوصًا من خلال زيادة فاتورة الطاقة التي بلغت نحو 69 مليار دولار في عام 2023 حسب وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية ،وفق رجل الأعمال التركي غزوان المصري.

وبحسب مؤسسة أبحاث السياسات الاقتصادية في تركيا (TEPAV)، فإن فاتورة استيراد الطاقة السنوية للبلاد حوالي 60-65 مليار دولار في 2025، وكل زيادة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط والغاز قد تزيد من عجز الحساب الجاري بنحو 4.5-5 مليار دولار.

هذا الارتفاع في أسعار الطاقة، وفق المصري، «ينعكس سريعاً على الليرة التركية ومستويات التضخم، إذ يزداد الطلب على الدولار لتمويل الواردات، وهو ما يضغط على سعر الصرف ويرفع تكاليف الإنتاج والنقل داخل الاقتصاد».

وفي ضوء ذلك، شهدت تركيا خلال الفترة الأخيرة معدلات تضخم مرتفعة تجاوزت 60% في بعض الأشهر نتيجة هذه العوامل مجتمعة، كما ورد في بيانات التضخم 2024 للمعهد التركي للإحصاء، بحسب المصري.

لكن في المقابل، قد تخلق الأزمة أيضاً، وفق المصري، «فرصة اقتصادية لتركيا، فموقعها الجغرافي بين آسيا وأوروبا يمنحها إمكانية التحول إلى ممر بديل ومحطة لوجستية لنقل الطاقة والتجارة بين الشرق الأوسط وأوروبا في حال تعطل بعض طرق الإمداد التقليدية، وهو دور تحاول أنقرة تعزيزه عبر تطوير البنية التحتية للنقل والطاقة».

أما فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية مع دول الخليج، يتوقع المصري أن «تبقى قوية نسبيًا، إذ تمثل دول الخليج سوقًا سياحية واستثمارية مهمة لتركيا، حيث استقبلت البلاد أكثر من 1.5 مليون سائح خليجي، إلى جانب استمرار تدفق الاستثمارات الخليجية في قطاعات العقارات والسياحة والطاقة».

ويخلص رجل الأعمال التركي إلى أن «أنقرة تواجه في هذه الأزمة تحدياً اقتصادياً مرتبطاً بارتفاع تكاليف الطاقة والضغط على الليرة، لكنها في الوقت نفسه قد تستفيد من موقعها الجغرافي لتعزيز دورها كمركز إقليمي للتجارة والطاقة في المنطقة». 

أخبار ذات صلة

سفينة «أكواتيكا» المحملة بالنفط الروسي، خلال انتظار تفريغ حمولتها في ميناء بانياس، سوريا، يوم 25 مارس 2025

«آي إن جي» يضع ثلاثة سيناريوهات لمستقبل مضيق هرمز وسط تعطل الملاحة

ومع استيراد تركيا معظم نفطها من الخليج وروسيا، يرى الخبير الاقتصادي التركي، علاء الدين إسماعيل شنكولر، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الأزمة ستؤثر سلبياً في اقتصاد تركيا؛ بسبب ارتفاع أسعار النفط ويحتمل أن تكون أذربيجان بديلاً عن نفط الخليج.

لكن وفق شنكولر، لا تزال هناك فرصة تجارية محتملة، قائلاً: «أحياناً الأزمات تأتي بفرص جديدة وقد تكون هذه الأزمة حاملة حلولا معها لتركيا، منها أن تكون محطة جديدة بديلة قوية محكمة عن دول أخرى مختلفة، بأن قد تجد فجوة لصالحها وتبدأ الولايات المتحدة تعتمد عليها كشريك استراتيجي بدلاً من اليونان وبعض دول المنطقة.

ويعتقد شنكولر أن الأزمة رغم تداعياتها على السياحة التركية، لكنها قد تسبب انفتاحاً جديداً أمام تركيا من الجانب السياحي وتفتح لها أسواقاً جديدة بعد قصف إيران دولا عربية.

ويرى شنكولر أن الليرة التركية تحت ضغط مستمر ليس بهذه الأزمة الحالية، قائلا: «تركيا منذ 50 عاما تواجه هذه المخاطر واقتصادها دائماً تحت ضغط التضخم».

ورغم هذا التحدي، فإن تركيا، وفق شنكولر، «أصبحت فيها مقاومة طبيعية تلقائية لتلك الظروف التي تواجه عملتها؛ مما جعلها مدرعة ومعتادة خلال الأعوام الطويلة».

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف