
«إشعار بانقطاع الكهرباء»، عبارة باتت الأكثر تداولاً في الصفحة الرسمية للشركة التونسية للكهرباء والغاز عبر «فيسبوك»، منذ الأسبوع الثاني من يوليو الجاري، وسط أزمة نقص في الطاقة تطول البلاد مع درجات حرارة غير مسبوقة، دفعت لتطبيق انقطاعات مبرمجة خلال فترات الذروة.
تلك الأزمة الطاقوية، ستجبر تونس إلى إصلاح سريع في قطاع الطاقة في أقرب وقت، عبر حلول بينها تشجيع العدادات الذكية ورفع الضرائب عن الألواح الشمسية وسداد مؤسسات الدولة مستحقات شركة الكهرباء، بحسب خبراء اقتصاد وطاقة تحدثوا لـ«إرم بزنس»، وإلا فالأزمة ستكون «خانقة وقد تكرر في الشتاء المقبل وليس الصيف فقط».
يعتمد قطاع الكهرباء في تونس بصورة شبه كاملة على الغاز الطبيعي، الذي يمثل أكثر من 97% من مزيج إنتاج الكهرباء، فيما تؤمن الشركة التونسية للكهرباء والغاز نحو 99% من الإنتاج الوطني، مقابل مساهمة محدودة للقطاع الخاص.
منذ الأسبوع الثاني من يوليو الجاري، ومع تسجيل درجات الحرارة ارتفاعاً بين 42 و49 درجة مئوية في بعض المناطق بدأت الشركة التونسية للكهرباء والغاز عبر صفحتها في فيسبوك إلى اللجوء إلى إطلاق عبارة «إشعار بانقطاع الكهرباء»، كتنبيه يتضمن الإشارة للجوء إلى القطع الدوري على فترات متقطعة للحفاظ على سلامة وديمومة المنظومة الكهربائية.
وسط تلك الأزمة، أتاحت الشركة حسب بيان في 22 يوليو الجاري، لأصحاب أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية تركيب بطاريات طاقة تسمح بتخزين الكهرباء المنتجة نهاراً واستخدامها لاحقاً لتشغيل الأجهزة الأساسية، مثل الإنارة والثلاجات، عند انقطاع التيار أو خلال ساعات المساء.
أكد أستاذ الاقتصاد التونسي رضا الشكندالي لـ«إرم بزنس»، ضرورة اتخاذ خطوات عملية عاجلة، لإصلاح قطاع الطاقة بالبلاد، تبدأ بانتهاج الدولة لسياسة جبائية مشجعة، يتم بمقتضاها توريد البطاريات والألواح الشمسية دون رسوم جمركية أو ضرائب، لافتاً إلى أن الضرائب الحالية تصل إلى حدود 54% من السعر الإجمالي.
واقترح تخصيص جزء من الاقتراض المباشر للدولة من البنك المركزي والذي بلغ هذا العام 11 مليار دينار (3.7 مليار دولار) لصالح الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وذلك بهدف مساعدة العائلات التونسية على اقتناء الألواح الشمسية والبطاريات بنسبة فائدة صفرية، بدلاً من توجه الشركة للبنوك والاقتراض بنسبة فائدة تصل إلى 9.4% كما يحدث حالياً لتجاوز أزمة الاستفادة المحدودة الحالية.
وتشير تقديرات تونسية غير رسمية إلى أن المستفيد من تلك البطاريات حوالي 5% من المساكن في تونس (200 ألف من نحو 4 ملايين مسكن)، فيما تصل قيمة شراء بطاريات التخزين والمحوّلات الهجينة ما بين 5000 و10000 دينار، بخلاف تكلفة ما بين 20 و30 ألف دينار تشمل سعر الألواح ومصاريف تركيبها.
وأكد الشكندالي ضرورة التركيز على تركيب العدادات الذكية، وسداد مؤسسات الدولة ديونها لشركة الكهرباء لتوفير السيولة اللازمة للصيانة وتوسيع الشبكة.
وحول جذور أزمة الكهرباء، أوضح الشكندالي أن هناك ضغوطاً فنية على شبكة شركة الكهرباء جراء قيام أصحاب الألواح الشمسية بتخزين مجاني لإنتاجهم عليها، دون صيانات، بخلاف تحديات مالية هيكلية عميقة تتمثل في ديون كبيرة بذمة الدولة، وظاهرة سرقة الكهرباء، علاوة على مصاريف التوظيف الضخمة التي تمت بعد 2011، ما حال دون قدرة الشركة على تركيز شبكات ووحدات إنتاج جديدة.
ونبّه على أن ارتفاع الاستهلاك يتطلب تركيز وحدة إنتاج جديدة كل سنتين، وهو ما لم يحدث منذ عام 2019، ما دفع الشركة للجوء إلى اقتناء الفائض الجزائري كلما ارتفع الطلب وفق اتفاقية الربط بين البلدين.
ويعتبر أستاذ الاقتصاد التونسي أن إيجاد حلول سريعة ليس بالأمر السهل، مشدداً على أن الحلّ يكمن في وضع الدولة لاستراتيجية متكاملة تتداخل فيها الجوانب التقنية والاقتصادية والجبائية والنقدية لإصلاح قطاع الطاقة في أقرب وقت.
وحذر الشكندالي من أن «الحلول الترقيعية، مثل لجوء بعض العائلات المقتدرة لاقتناء بطاريات لتخزين الكهرباء، قد تخفف الضغط جزئياً ويقتصر نفعها على فترات انقطاع الكهرباء فقط، دون إصلاح حقيقي لقطاع الطاقة يحقق الفائدة للجميع».
بلغ العجز في قدرة إنتاج الكهرباء في تونس خلال أوقات الذروة نحو 400 ميغاواط، حيث تتجاوز ذروة الاستهلاك حاجز الـ5000 ميغاواط، مدفوعة بالاستخدام المكثف لأجهزة التكييف إثر موجات الحر القياسية.
أكدت مديرة الإدارة التجارية والتسويق بالشركة التونسية للكهرباء والغاز هند النيفر، في 16 يوليو الجاري أن تونس تستفيد من الربط الكهربائي مع الشبكة الجزائرية لتغطية جزء من احتياجاتها عند الضرورة، إلا أن موجة الحر تضرب البلدين في التوقيت نفسه، ما جعل إمكانيات التبادل الكهربائي محدودة خلال ساعات الذروة.
وتعتمد المنظومة الكهربائية محلياً بشكل هيكلي بنسبة تتجاوز 90% على الغاز الطبيعي، ما يعمق أزمة العجز التجاري لقطاع الطاقة الذي سجل 6.779 مليار دينار (حوالي 2.2 مليار دولار) حسب البيان الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء الصادرة في 18 يوليو الجاري، ولتغطية هذا النقص، تضطر الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تنفيذ قطع دوري ومناوب للتيار لتفادي انهيار الشبكة الوطنية.
هذه الأرقام، تكشف أن قطاع الطاقة وحده استحوذ على 54% من إجمالي العجز التجاري للبلاد خلال النصف الأول من 2026، حيث بلغ العجز التجاري الإجمالي لتونس 12.529 مليار دينار، ما يعادل نحو 4.2 مليار دولار.
في هذا الصدد، أوضحت الخبيرة الاقتصادية التونسية، خلود التومي، أن أزمة الطاقة لم تكن مفاجئة، بل كانت متوقعة منذ سنوات، في ظل أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز شركة غير مربحة، وإنتاجها متأثر من ذلك.
وأضافت لـ«إرم بزنس»: «لا ننسى وجود أزمة طاقة عالمية جيوسياسية، جراء حرب واشنطن وطهران، دفعت برميل النفط إلى ما يقارب 100 دولار، بينما في قانون المالية (ميزانية الدولة) لسنة 2026 سعره أقل من ذلك (67 دولاراً)، وهنا نجد عجزاً طاقياً».
وتوقعت التومي، «استمرار معاناة التوانسة في صيف هذه السنة من انقطاعات متكررة في الكهرباء»، مرجحة أنه «إذا لم تتوجه الدولة إلى إعادة الإصلاح وإعادة الهيكلة، فسيكون الصيف المقبل، بل وحتى الشتاء القادم، أكثر صعوبة».
وحول الحلول المتاحة أمام الدولة لتجاوز هذه الأزمة، أضافت الخبيرة الاقتصادية التونسية، أن «المشكلة أنه لا توجد حالياً حلول، لأن الدولة تميل إلى الاقتراض الداخلي والقطاع الخاص لا يجد متسعاً، وهذا ما أوصلنا إلى أزمة اقتصادية خانقة وأزمة طاقة خانقة ولا بديل عن اللجوء الإجباري لصندوق النقد لحل أزمة الاقتصاد والطاقة».
وتعثّرت مفاوضات تونس مع صندوق النقد بسبب الشروط المرتبطة بإجراء إصلاحات اقتصادية تشمل خفض الدعم ورفع الضرائب وتقليل قيمة العملة المحلية، وهي إجراءات رفضها الرئيس قيس سعيّد واعتبرها غير مقبولة، محذراً من تداعياتها السلبية على الطبقات الضعيفة في المجتمع.