التفاؤل السياسي أصبح ركيزةً أساسيةً للصعود
ارتفاع غير طبيعي للين والأسهم والسندات معاً

في أعقاب الفوز الساحق لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، شهدت أسواق الأسهم اليابانية ارتفاعات غير مسبوقة، مدفوعةً بتجدد الثقة في السياسات الداخلية والبرامج الاقتصادية للحكومة.
ومع ذلك، تطرح هذه المكاسب تساؤلات حول مدى استدامتها، خصوصاً في ظل هشاشة بعض الأسس الاقتصادية وتقلبات الين العالمية، وهو ما يجعل مراقبة السوق وتحليل التحركات المستقبلية أمراً ضرورياً للمستثمرين.
ويبقى السوق الياباني في مفترق حاسم بين التفاؤل السياسي والحقائق الاقتصادية، حيث يمكن أن يستمر الارتفاع في ضوء دعم السيولة والإصلاحات الهيكلية، أو أن تتراجع الأسعار سريعاً إذا تلاشت التوقعات التفاؤلية.
بددت أسهم اليابان مكاسبها القوية اليوم الخميس، لتغلق على تراجع هامشي، بعد أن تجاوز المؤشر مستوى 58000 نقطة لأول مرة في تاريخه، في بداية التداولات مدفوعةً بتجدد الثقة في السياسة الداخلية والبرنامج الاقتصادي للحكومة الحالية.
ومع ذلك، يحذر المحللون من أن الحماس قد يسبق الوضوح بشأن كيفية تمويل تلك السياسات، وأن أسس سوق الأسهم اليابانية الحالية تبدو هشةً بشكل متزايد، إذ هي عرضةٌ لتحركات العملة والصدمات العالمية والفجوة المتزايدة بين الأسعار والأساسيات.
ومع مراقبة المستثمرين لأسعار الأسهم والين والبرامج الاقتصادية، فإن أي تحرك خاطئ قد يفضي إلى تصحيح حاد، مما يجعل الحذر والتمحيص في التحركات الاستثمارية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
يشهد رابع أكبر اقتصادٍ في العالم حالياً موسمَ أرباح الشركات، وارتفعت أسواق الأسهم المحلية بفضل توقعات بأن الفوز الحاسم للحزب الديمقراطي الحر في الانتخابات الوطنية التي جرت يوم الأحد سيمكن ساناي تاكايتشي رئيسة الوزراء من إقرار إجراءات الإنفاق وتخفيف الضرائب.
أصبح التفاؤل السياسي ركيزةً أساسيةً للارتفاع الذي حفزه التفويض الانتخابي القوي الذي حظي به تاكايتشي، وفقاً لخبراء السوق من «ميزهو» الذين كتبوا في مذكرة: «رحب مستثمرو الأسهم باحتمال زيادة الإنفاق، وتخفيف الضرائب، وبرنامج اقتصادي أكثر حزمًا».
قال خبراء «ميزهو» في مذكرة للعملاء: «قبل الوصول إلى هذه المرحلة الأخيرة، بلغ المؤشر 56000، ثم 57000 نقطة واليوم 58000، مدفوعاً بما يسمى «صفقة تاكايتشي»، في أعقاب فوز رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي الساحق في مجلس النواب».
قال الرئيس التنفيذي لشركة إدارة الاستثمار «بورت شيلتر» ريتشارد هاريس: «المكاسب الحالية للسوق يصعب تبريرها بالاعتماد فقط على قوة الاقتصاد».
أضاف هاريس في مذكرة للعملاء: «إنها ليست مدفوعةً حقاً بالعوامل الأساسية، إذا نظرنا إلى كيفية تحرك العملة، وكيف يسير الاقتصاد، فلا يوجد شيء قوي بشكل خاص يبرر تحرك السوق».
أظهرت بيانات حكومية أن الاقتصاد الياباني انكمش بنسبة 0.4% على أساس ربع سنوي في الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر، مسجلاً انكماشاً لأول مرة منذ ستة أرباع، كما انكمش بنسبة 1.8% على أساس سنوي.
تُعد اليابان الدولة الأكثر مديونيةً في العالم، حيث بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي حوالي 230% في عام 2025، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، كما أن زيادة الإنفاق المالي تُنذر بتراكم المزيد من الديون.
وافقت الحكومة في نوفمبر على حزمة تحفيز مالي تزيد قيمتها عن 135 مليار دولار، مما استدعى زيادة الاقتراض، وتفاقم أزمة الدين العام، في محاولة من تاكايتشي دعم وإنقاذ الاقتصاد المتباطئ منذ سنين.
قال هاريس: «المشاعر والسيولة والسرديات هي القوى المهيمنة التي توجه السوق».
وأضاف: «لقد رأينا ذلك في أسواق أخرى أيضاً»، مشيراً إلى أن اليابان لم تكن الوحيدة التي حطمت الأرقام القياسية وسط الحماس العالمي للاستثمار في الأسهم والاستثمار المتعلق بالذكاء الاصطناعي.
أكد كبير الاقتصاديين في وكالة «موديز»، ستيفان أنغريك، أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد رفعت أسعار الأسهم على مستوى العالم، وكان ذلك واضحاً أيضاً في الأسهم اليابانية.
كتب أنغريك في مذكرة للعملاء: «ربما يبدو الوضع الحالي هشاً بعض الشيء من حيث أن التقييمات مدفوعة بازدهار الأسهم العالمية».
وأضاف: «إن انكشاف اليابان الكبير على الصناعات التحويلية العالمية والسلع الرأسمالية جعلها من أبرز المستفيدين من التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي».
يرى أنغريك أن هذا الارتباط يجعل السوق أيضاً حساساً لأي فتور في الحماس العالمي للتكنولوجيا، أو لتقلبات عملتها التي لعبت دوراً هاماً في هذا النمو، على حد قوله.
ازدادت هذه الحساسية وضوحاً في الأشهر الأخيرة، حيث أدت المخاوف بشأن فقاعة الذكاء الاصطناعي إلى تقلبات في السوق، بما في ذلك في الأسهم اليابانية، بحسب أنغريك.
شهد قطاع البرمجيات الأسبوع الماضي عمليات بيع مكثفة بعد أن أطلقت شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» أدوات ذكاءٍ اصطناعي جديدة مصممة للتعامل مع سير العمل الاحترافي المعقد الذي تقدمه العديد من شركات البرمجيات كخدمات أساسية.
قال أنغريك: «ما يجعل مستوى التقييم الحالي هشاً بعض الشيء هو الين، فقد انخفض الين بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، وهو ما يُعتبر عادةً إيجابياً للأسهم في اليابان نظراً لاعتماد نسبة كبيرة من السوق على الشركات المصنعة للتصدير».
يؤدي ضعف الين إلى زيادة الأرباح وتضخيم تقييمات الأسهم، لكن هذا التأثير قد يتلاشى مع مرور الوقت، يقول أنغريك: «يتداول الين بعيداً جداً عن مؤشراته الأساسية، ببساطة، هو ضعيف للغاية، بل ضعيف بشكل غير معقول».
أظهرت بيانات من مجموعة بورصة لندن أن الين الياباني قد انخفض بنحو 3.67% مقابل الدولار في الأشهر الستة الماضية.
أشارت اليابان إلى أنها قد تتدخل إذا استمر انخفاض قيمة الين، إذ أبدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما مخاوفها لوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بشأن انخفاض قيمة الين من جانب واحد.
وتتوقع شركة أبردين للاستثمارات أن يرتفع الين نتيجة لزيادة تدريجية في المعدلات الحقيقية للفائدة حيث من المتوقع أن يتباطأ التضخم أكثر مما هو عليه الآن.
كما يتوقع أنغريك أيضاً أن ترتفع قيمة العملة وكتب قائلاً: «من المتوقع أن يرتفع الين على المدى المتوسط، وأن نشهد انخفاضاً طفيفاً في تقييمات الأسهم».
أضاف أنغريك: «تطبيع العملة قد يُقلل بشكل كبير من قيمة الأسهم الحالية، لكن هذا لا يعني أن ازدهار سوق الأسهم اليابانية ليس له مستقبل».
أشار بعض المحللين إلى أن الإصلاحات الهيكلية التي شهدتها السنوات الأخيرة، ولا سيما تلك المتعلقة بحوكمة الشركات وكفاءة رأس المال وعوائد المساهمين، قد وفرت نمواً مستداماً.
في غضون ذلك، كثفت الشركات عمليات إعادة شراء الأسهم، وتخلصت من حيازات الأسهم المتبادلة، وركزت بشكل أكبر على العائد على حقوق الملكية، وهو تحول شجعته بورصة طوكيو.
يجادل بعض مديري الأصول بأن أساسيات الشركات اليابانية لا تزال داعمة بشكل عام، ولكن فقط إذا تحققت التوقعات، وإذا تباطأت وتيرة التحسن، فسيكون هناك خطر سلبي.
كتب خبراء «أبردين للاستثمارات»: «السوق تُسعّر بالفعل بعض التحسينات التي لم تحدث بعد، تزامنا وتوقعات بيع الأصول وإعادة شراء الأصول وتحسين هوامش الربح. وهذا لا يترك مجالاً يُذكر لخيبة الأمل».